الحكيم الترمذي

53

كيفية السلوك إلى رب العالمين

مستغاث ، فما أقرب حال صاحب هذا المثل من حال الموحّد ، فهذا إنسان حيّ عند الناس وهو عند نفسه ميت بقربه من ربه لأنه بقي في ظلمات حد الإدراك لا يدرك كيفية التوحيد . . . « 1 » نور التوحيد وأحاطت به سرا وعلانية ، وقد ضل هذا العبد طريق التكيف ، فليس له تكلف في الأمور ، وقد قام بترك الاختيار ، وصارت عبوديته أسيرة في قبضة عزة الرب جل جلاله ، وهو يخاف من الشرك الخفي في سرّه في لحظة ، وهو ينظر بقلبه من ربه إلى خلقه كيلا يتلفت إلى غيره من خلقه أو إلى نفسه أو إلى حركته أو إلى حد التعطيل ، حتى يرى عجزه عن إدراك ربوبيته ، أو إلى حد التشبيه حتى يرى نفسه غريقا في بحر التوحيد ، وهو بحر عظيم عميق لا يرى شطّه ، ولا منتهى لغوره ، وهو ريان عطشان ، جوعان شبعان ، عريان مكتس ، بصير أعمى ، عالم جاهل ، عاقل أحمق ، وحليم أخرق ، وغني فقير ، وقادر عاجز ، وصحيح مريض ، وحي ميت ، وباق فان ، وبعيد متدان ، وقوي متوان ، ومشته بلا أمان . فهذه صفة العالم الربّاني والعارف الروحاني ، والسابق النوراني ، ليس كالجاهل الظلماني ، ولا علمه نفساني . ولو زدت فوق هذا الشرح في حال الموحّد أخاف أن يكون فتنة على من عافاه اللّه من هذا البلاء ، وغرق في ظلمات المعاصي والشهوات وحبّ الدنيا عن مشاهدة لطائف المولى ، فإن هذه الأشياء معافاة عن الشرك والشك ، وحبط دون المولى . وهو في أشدّ البلاء ، كما وصفت لك شيئا منه . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أشدّ الناس في الدنيا بلاء الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل » « 2 » . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه سلم : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولحثيتم التراب على رؤوسكم » « 3 » . وأخبر عليه السلام من يشاهد اللّه تعالى وكبرياءه في أشدّ البلاء فقال عليه

--> ( 1 ) بياض في الأصل . ( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الإيمان ، حديث رقم ( 120 ) [ 1 / 99 ] ورواه الترمذي في السنن ، باب ما جاء في الصبر على البلاء ، حديث رقم ( 2398 ) [ 4 / 601 ] ورواه غير هما ونصبه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت يا رسول اللّه أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة » . ( 3 ) لم أجده بعبارة : ولحثيتم التراب على رؤوسكم . رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ، حديث رقم ( 4345 ) [ 4 / 1689 ] -